الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا محمد رسول الله وبعد :
إن الفتيا مقامها عظيم وأمرها جليل ذلك أنّ المفتي مبلغ عن الله تعالى والواسطة بين الله تعالى وخلقه في بيان الحلال والحرام لمن استفتاه .
لذا عني أئمة السلف منذ القدم من أصوليين وفقهاء بشأن الفتيا، فقعدوا لها القواعد وبينوا الشروط التي يلزم تحققها في المفتي والمستفتي . وصنفوا في ذلك الكتب والمصنفات أبرزها :
1- آداب المفتي والمستفتي لابن حمدان.
2- أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح.
3- إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم.
والفتوى العرجاء التي لا تقوم على علم متين وبحث عميق واجتهاد سديد قرنت بالفواحش الظاهرة والباطنة التي ينبغي إنكارها كما تنكر سائر المنكرات والفواحش قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون) [الأعراف: 33].
وكان سلفنا من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب وعلماء الأمة يتهيبون من الإفتاء مع صلاحيتهم لها ويودّ كل واحد منهم أن يقوم غيره به وكان كثير منهم يحيل الفتوى إلى غيره ليكفيه المؤونة ويجنبه المسؤولية والتبعة .
قال عبد الرحمن بن أبى ليلي : " أدركت عشرين و مائة من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسأل احدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول " وروى عنه : ما منهم من يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شئ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا "
وقال عتبة بن مسلم : " صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول :" لا أدري " وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول :" إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأى إلى الآن ."
واشتهر عنه أنه سئل عن أربعين مسألة فقال فى ستة وثلاثين منها : لا أدري
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله :" لولا الخوف من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت ، يكون لهم المهنأ وعليّ الوزر."
هذا غيض من فيض ما كان عليه حال علماء الأمة من الورع وعدم التسرع في أمر الفتيا دون التحقيق والتمحيص والبحث العميق ، بل إنك لتجد أحدهم بحرا زاخرا من العلم ومكتبة تدب على قديمها إلاّ أنّه لا يتردد من أن يقول لا أدري إذا استفتي في مسألة ولم ينضج له فيها رأي ، ولا يجد عيباً أو حرجاً أو نقصاً من أن يقول أخطأت فيما لو وقع في خطأ ما لأنه يدرك جسامة ذلك وخطورته على الفرد والأمة في الدنيا والآخرة ...
فكيف يسمح لنفسه البعض باقتحام سوار الفتوى وليس لها بأهل ، فيكون بذلك سببا فى إضلال الناس أو إهلاكهم ، بل كيف يهنأ له نوم ويلذ له عيش ويطيب له مأكل ومشرب وهو يقول على الله الكذب سواء بسوء نقله عن أهل العلم أو بجهله أو نسيانه أو عدم قيامه بحقها أو بعدم أمانته ومسؤوليته في تصوير الفتوى وصياغتها...
قال بعضهم فى بعض أهل زمانه : " إن أحدهم يفتى في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر".
ألا يكفي هؤلاء ردعًا وزجرًا عن العبث وعدم المسؤولية في الفتوى دون أن يكون أهلاً لها قوله تعالى: ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [النحل: 116-117].
لهؤلاء جميعاً : أضع بين أيديهم مقولة فقيه المدينة مالك بن أنس ، ليتفكروا ويتدبروا بها ويراجعوا أنفسهم وما صدر عنهم من فتاوى مبسترة ومغلوطة قبل أن يقفوا بين يدي ربهم فيقول لأحدهم كذبت لم أحلّ كذا ولم أحرم كذا : وهي ": من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها ."
ومن هنا نظراً لأهمية الفتوى وعظم شأنها فإنّ القائمين على موقع " مجمع الدراسات والعلوم الإسلامية " ارتأوا إقامة خدمة " أمانة الفتوى " لضبط الفتوى وتقريبها بين يديّ المستفتي ليكون على بيّنة وبصيرة من الفتاوى العرجاء الماجنة .
وإنّ القائمين على هذه الخدمة الجليلة والأمانة الثقيلة قد أخذوا على نفسهم عهدا وعاهدوا ربهم بألاّ يوقعوا عنه جلّ شأنه إلاّ بعد الدراسة الجادّة والبحث المعمّق لما يعرض عليهم من المسائل والرجوع إلى المجامع ودور الفتوى ومشاهير الفقهاء والعلماء من مختلف أرجاء العالم الإسلامي للإستشارة والإستئناس وإنّهم بالوقت نفسه ليضرعون إلى الله عزّ وجلّ بأن يسدّدهم لما يحبه ويرضاه وأن يريهم الحق حقا فيرزقهم اتباعه ويريهم الباطل باطلا فيرزقهم اجتنابه .
المشرف العام لأمانة الفتوى
د. مشهور فوّاز
الأخوة المتصفحين : بإمكانكم إرسال أسئلتكم على الرابط التالي ( اطلب فتوى ) : وستتولى خدمة أمانة الفتوى بالإجابة عليها في أسرع وقت ممكن بإذن الله تعالى. هذا وبامكانكم مراجعة الفتاوى من خلال الرابط التالي: بنك الفتاوى.