خطورة اللسان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
عن معاذ رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسول اللّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره اللّه عليه: تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)[السجدة:16] حتى بلغ (يعملون) ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول اللّه قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت بلى يا رسول اللّه، قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم".
وعن شقيق قال: لبَّى عبد الله- أي ابن مسعود- (رضي الله عنه) على الصفا، ثم قال: يا لسان قل خيراً تغنم، واسكت تسلم، من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "أكثر خطايا ابن آدم في لسانه" أخرجه الطبراني، وهو في السلسلة الصحيحة رقم ( 534).
قال ابن القيم في التفسير القيم (627). – رحمه الله -: وكم من حرب جرتها كلمة؟ وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ: "وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم" رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وهو في صحيح ابن ماجه للألباني رقم (3209).
عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك" رواه الترمذي وحسنه الألباني في الصحيحة رقم (890). بلفظ: "املك عليك لسانك... ".
وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله! حدِّثني بأمرٍ أعتصم به؛ قال: "قل: ربي الله ثم استقم". قلت: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا".
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تحذر من خطر اللسان, وترغب في الصمت، قال عز وجل: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق (18). وقال عز وجل:{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } الإسراء (36). وقال عز وجل: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } النــور(24).
وقد كفل النبي (صلى الله عليه وسلم) الجنة لمن كفل له حفظ ما بين لحييه ورجليه؛ فعن سهل بن سعد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" رواه البخاري والترمذي وأحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله - تعالى -، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" رواه البخاري.
عن أبي سعيد (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكفِّر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا" رواه الترمذي وذكره الألباني في المشكاة رقم (4838).
و أمرنا (صلى الله عليه وسلم) بالتعوذ بالله من شر اللسان؛ فعن شَكَل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! علمني تعوَّذاً أتعوذ به، قال: فأخذ بكفي فقال: "قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي" رواه أبو داود والترمذي وهو في صحيح الترمذي للألباني رقم (2775).
أخي المسلم: كن ناطقا بالخير، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصحاً للخلق، ذاكراً لله، تالياً للقرآن تفُزْ وتسعد في دنياك وأخراك، واحذر أن تقول شراً فتخيب وتخسر، فإن فعلت ذلك دل ذلك على إيمانك، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" رواه الشيخان .
ولتكن كالنحلة لا تدخل إلى بطنها إلى الطيب من الغذاء، ولا تخرج إلا طيباً، فعن أبي زيد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "مثل المؤمن مثل النحلة، لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً".
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرها من باطنها وباطُنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، صلَّى بالليل والناسُ نيام".
ومن حفظ اللسان طول الصمت إلا عن خير:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك بُحسن الخلُق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده، ما تجمَّل الخلائق بمثلهما".
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أي المسلمين أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة على ميقاتها" قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: "أن يسلم المسلمون من لسانك".
ومن عرف دقائق آفات اللسان، علم قطعًا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصلُ الخطاب، حيث قال: "من صمت نجا". فلقد أوتي والله جواهر الحكم، وجوامع الكلم، ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواصُّ العلماء.